سوغ بعض دعاة الفيدرالية دعوتهم إليها وقرعهم لطبولها بأن التهميش قد لحق مدنهم! وهذا ما يدفعهم للمطالبة بما يشبه الحكم الذاتي لأقاليمهم، لكن إذا تأملنا هذه الدعوة فسرعان ما يتبين لنا فسادها واعوجاجها.








لو أن سكان المدن التي يصنفها دعاة الفيدرالية بأنها غير مهمشة كانوا هم. وراء تهميش تلك المدن لجاز أن يقال: آن أوان المطالبة بالفيدرالية وإحقاق الحق والخروج من قبضة أولئك الذين ساهموا في ظلمهم وإهمالهم بالخروج من نطاق سيطرتهم حتى لا يتكرر التهميش،والذي هو في حقيقته ظلم. لكن السؤال الذي تعمد دعاة الفيدرالية تجاهله هو: من كان حقا وراء تهميشهم ؟ هل كان سكان أية مدينة ليبية وراء تهميش أية مدينة أخرى ، أم أن الطاغية الهالك القذافي. وحده كان عراب التهميش، ومن تولى كبره ونسج خيوطه؟

إن أي عاقل حريص على مصلحة الوطن، لا تحركه الأهواء ولا تعصف به النوازع القبلية والجهوية البغيضة، يعلم أن مدن ليبيا كلها عانت من التهميش والإهمال، فقد كان الطاغية الهالك حريصا في المقام الأول على مصلحته ومصلحة أبنائه بنرجسية بينة نادرة. نعم، هناك نسب متفاوتة في مقدار الإهمال والتهميش بيد أنه لحق الجميع ولم يكن. وراءه أبناء مدننا وقرانا حاشا بعض أزلامه وأقاربه ممن ارتبطوا به ارتباطا مصيريا، فمنهم من هلك معه ومنهم من يقبع في زنازين السجون، ومنهم من فر إلى بلاد أخرى تطارده قوى العدالة.

هناك مسألة مهمة لم تُبين كما ينبغي، ألا وهى وجود ثروات طبيعية لليبيين جميعا في مناطق دعاة الفيدرالية، فهل ينكر دعاة الفيدرالية أن وجودها هو العامل الرئيس وراء تحركهم؟ بمعنى آخر، هل لو كانت مناطق دعاة الفيدرالية جرداء .قاحلة لا يخرج فيها مصدر الثرورة الأول للوطن، النفط، هل كانوا يدعون لفيدراليتهم هذه؟ لقد قال أحد قادة الفيدرالية في لقاء مع الجزيرة كلمات هذا فحواها: إن نفط الشرق كان يدعم مناطق الغرب لمدة أربعين سنة!! قالها وكأنه يمن على إخوانه في باقي المدن الليبية بفضل الله، ثم يزعم مثلما يفعل إخوانه دعاة الفيدرالية. أنه ليس من دعاة التقسيم!. قالها ونسي أن لا فضل لأحد في هذه الثروة سوى الخالق العظيم، ولا يعني وجودها في مناطقهم أنهم أحق بها من غيرهم. ..ثم .ألا يدفع هؤلاء بالبلاد إلى التقسيم والفتن بفعلهم هذا إن ظهر لبقية أفراد شعبنا أن ساكني هذه المناطق قد استحوذوا على هذه الثروات أو استفادوا منها أكثر مما استفادت منها بقية مدن بلادنا؟ هل يريدون ممارسة التهميش الذي يتذرعون به على غيرهم من مناطق ليبيا؟

إن كان دعاة الفيدرالية حريصين حقا على وحدة الوطن فعليهم بالدعوة إلى محاربة التهميش والظلم الذي لحق بمدننا في أي جهة كانت، وإن أرادوا الاستقلالية في صنع بعض القرارات أو التخفيف من المركزية، أو توزيع مقار بعض الوزرات فلهم ذلك وهذا مما نستطيع بحوار حضاري هادف أن نصل إليه.

وأخيرا، هل هذا توقيت مناسب لرفع شعار الفيدرالية؟ إن بلادنا تمر بمرحلة حرجةجدا، فبعض المليشيات المسلحة مازالت تتصرف وكأنها الحاكم الفعلي للبلاد، ومازال أزلام النظام الهالك يعملون بدأب من أجل نشر الاضطراب والبلبلة في بلادنا، والمتسلقون الفاسدون، لا كثرهم الله، وجدوا طريقهم إلى بعض المواقع الحساسة ولا حول ولا قوة إلا بالله، أفلا يرون أنهم يزيدون الطين بلة بهذه الدعوة المريبة في هذا الوقت العصيب؟

وتبقى كلمة: لقد أثلج صدورنا ظهور جل إخواننا وأخواتنا الكرام في مدن الشرق الأبية كبنغازي ودرنة والبيضاء واجدابيا للتعبير عن رفضهم لهذه الدعوة المريبة لعلمهم بنتائجها ومراميها، خاصة بعد أن تبين لهم وقوف بعض أزلام النظام البائد في جملة من يرفعون شعارها ويركبون موجتها، فجزاهم الله خيرا وحماهم من كل مكروه.

.ندعو الله أن يحفظ بلادنا من الفتن وأن يلهم أفراد شعبنا للعمل من أجل ليبيا موحدة عادلة يتعاون فيها أهل الشرق وأهل الغرب وأهل الجنوب وأهل الشمال والوسط مع بعضهم البعض إخوة متحابين لا همّ لهم سوى إرضاء الله والعمل من أجل الرقي ببلادنا إلى مصاف. الدول العظيمة في العالم، والدفع بها لتنال القدح المعلى في جميع المستويات.

بقلم: سالم بن عمار